العودة   منتديات يتيم الإمارات > •{[ يتُيمً الإُمًَارات آلإدَبِيــَـة ]} • > يتيم الامارات الاعمال الطلابية

يتيم الامارات الاعمال الطلابية ๑ ..دروس وشروحات وأوراق عمل تخص الطلاب وأعمالهم.. ๑

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم , 12:37 AM   #1
يَتّْيَمًة آلآمًآرٍآتّْ
¬°•|آڷمديْر آڷعآم|•°¬
الصورة الرمزية يَتّْيَمًة آلآمًآرٍآتّْ

تاريخ التسجيل: 02-2010
United Arab Emirates
الإقامة : عيب راسي لا بغى شي " مستحيل " يوصله موطيب ,, غصبٍ يوصله
المشاركات: 37,463
يَتّْيَمًة آلآمًآرٍآتّْ has a spectacular aura aboutيَتّْيَمًة آلآمًآرٍآتّْ has a spectacular aura about
Smile بحث أدبي عن أبو القاسم الشابي




بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :


يُعد الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي , من الشعراء العرب المبرَّزين في الشعر العربي الحديث ؛ إذ أسعفته قريحته الفذة بقصائد بوأته مكانةً كبيرةً, و خطت اسمه في كراسة الأدب العربي .
و قد اخترت دراسة ظاهرة الكآبة عند أبي القاسم الشابي لأنني أرى في كآبته بعداً فلسفياً و صوتاً باحثاً عن الحقيقة , و لأن الشعر عنده كان وسيلةً للتنفيس , و منطلقاً لأشجانه , و تعبيراً عن أحلامه التي أورثته الحزن و الكآبة , و سوف أعرض للكآبة لا بكونها عارضاً وجدانياً , أو علةً تعتور أي منكود ؛ لكنْ بوصفها منطلقاً للأمل , و سبباً في النهوض , و سبيلاً إلى الإبداع الشعري الخلاب ..!
كما يهمني كثيراً التطرق لأسباب هذا العارض و المؤثرات التي تزيده أو تقلصه , و في بدء هذا المبحث أبسط في تعريف الكآبة , و من ثم تجلياتها في قصائد الشابي , و بعدها عرض لأسبابها , سواء الداخلية المنطلقة من مرض الشابي المزمن , أو ظروفه الاجتماعية الخاصة التي أثرت في استقراره النفسي , و تطرق للأسباب الخارجية المتمثلة في أمته الضعيفة و علاقته بالمجتمع الذي يرى فيه تناقضاً و خللاً يجب أن يعالج و كيف يقابله هذا المجتمع بالرفض و الهجوم .
كما أعنى هنا بأشكال من الكآبة عايشها الشابي , و انطلق منها , الأولى سميتها بالكآبة السلبية و المنغلقة , و هي التي تفيض بمشاعر الإحباط و الانهزام , و الهروب من الواقع , و الكآبة الأخرى سميتها بالإيجابية ؛ لأنها لم تمنعه من عيش حياته , و الانطلاق في عالمه داعياَ إلى الأفكار التي يؤمن بها .
كما أنه من المهم الإشارة إلى أن الكآبة عنصرٌ رئيسٌ في المذهب الرومانسي , نرى أبا القاسم يعيشها و يتقلب في فراشها , ليندمج اندماجاً تاماً مع الرومانسية , و ليكون رمزاً من رموزها في الأدب العربي , و بعدها أعرض لنماذج من قصائده تدور في فلك الكآبة و الحزن بما يمثل جانباً تطبيقياً , آثرتُ فيه طريقةَ التحليل و استقصاء المعاني القريبة و البعيدة . !


مفهوم الكآبة :
كأب
"الكآبةُ: سُوءُ الحالِ، والانكِسارُ من الحُزن. كَئِبَ يَكْأَبُ كَأْباً وكأْبةً وكآبة، كنَشْأَةٍ ونشاءَة، ورَأْفَةٍ ورَآفة، واكْتَأَبَ اكتِئاباً: حَزِنَ واغْتَمَّ وانكسر، فهو كَئِبٌ وكَئِيبٌ. وفي الحديث: أَعوذُ بك من كآبةِ المُنْقَلَبِ. الكآبةُ: تَغَيُّر النَّفْس بالانكسار، مِن شِدَّةِ الهمِّ والحُزْن، وهو كَئِيبٌ ومُكْتَئِبٌ. المعنى: أَنه يرجع من سفره بأَمر يَحْزُنه، إِما أَصابه من سفره وإِما قَدِمَ عليه مثلُ أَن يعودَ غير مَقضِيِّ الحاجة، أَو أَصابت مالَه آفةٌ، أَو يَقْدَمَ على أَهله فيجدَهم مَرْضَى، أَو فُقِدَ بعضهم. وامرأَةٌ كَئِيبةٌ وكَأْباءُ أَيضاً ..
والكَأْباءُ: الحُزْنُ الشديد، على فَعْلاء. وأَكْأَبَ: دَخَل في الكَآبة. وأَكْأَبَ: وَقَعَ في هَلَكة .. "
إذن فالكآبة هي الحزن الشديد , و هي تمثل جزءاً مما نقصده هنا في دراستنا لشعر أبي القاسم الشابي .
ففي ديوانه الذي يحوي ثمانٍ و تسعين قصيدة ,, . بين مطولة و قصيرة, نجد غالب هذا الرقم يدور حول الكآبة و القنوط و الحزن و الانكسار , أو حول الدعوة إلى الهروب و الالتجاء إلى الطبيعة ؛ لتجلي شيئاً من الأسى الذي يعتري النفوس و يحط على القلوب ,و لو نظرنا إلى فهرس ديوانه لتبينَ لنا ذلك الشعور المزدحم بالألم و الحزن , فمنها : ( من وراء الظلام – خلّه الموت – في الظلام – مأتم الحب – الكآبة المجهولة – أيها الليل – شكوى اليتيم – السآمة – الدموع – أغنية الأحزان – المسافر الحزين – الكآبة المجهولة – نشيد الأسى – بقايا الخريف – في فجاج الآلام – إلى الموت – صوت – تائه – أغاني التائه – إلى قلبي التائه – يا موت – صفحة من كتاب الدموع – طريق الهاوية – شجون – أنا أبكيك للحب – رثاء فجر – حديث المقبرة – في ظل وادي الموت – الجنة الضائعة – الدنيا الميتة – شكوى ضائعة ) .. .
و نجد كثيراً من ألفاظ الموت و الضياع و التيه و الرثاء و الظلام و الخريف و الألم .. تتردد في ديوانه .. لقد كان بحق شاعرًا رومانتيكياً ,, مفجوعاً في نفسه و دنياه .!


تجلياتها في شعره :
لا يكاد القارئ لديوان الشابي أن يغفل عن ذلك النغم الحزين الذي يئن في غالب قصائده , فالكآبة هي الروح المسيطرة على ذلك الإنتاج الشعري .
ففي قصيدته (يا شعر) , نلمس فهمه للشعر على أنه (حيلة الكئيب ):
يا شعر أنت فم الشعور و صرخة الروح الكئيب
يا شعر أنت صدى نحيب القلب و الصب الغريب
يا شعر أنت مدامع علقت بأهداب الحياة
يا شعر أنت دم , تفجر من كلوم الكائنات
و بهذه القصيدة نلخِّصُ كثيراً من رؤى الشابي للحياة و الشعر , فإذاما كان الشعر وسيلة البكاء و التنفيس , اتضح لنا أن كلَّ ما سيخرج من هذا التصور لن يعدوَ أن يكون من ضروب الحزن و الكآبة !
و لديه قصيدة ابتدأها بـ( الأنا ) , عنوانها ( الكآبة المجهولة ) :
أنا كئيب
أنا غريب
كآبتي خالفت نظائرها
غريبة في عوالم الحزن
كآبتي فكرة مغردة
مجهولة من مسامع الزمن
و في هذه القصيدة نلحظ البعد الفلسفي الذي ينبع من موقفه من الحياة , فكآبته ليست كسائر الكآبات , بل هي غريبة باعترافه , و غريبة من بين جميع الأحزان ,!
و نلحظ أن للكآبة مردافات أخرى في شعر الشابي , مثل ( الغربة ) , ( الألم ) , ( التوجع ) , و ( السجن ), و ( التيه ) , ففي قصيدته ( إلى قلبي التائه ):
مالآفاقك يا قلبي سودا حالكات؟
و لأورادك بين الشوك صفرا ذاويات

أسباب الكآبة عند الشابي :
الذاتية :
عاش الشابي حياته بكل طاقاتها الوجدانية , و تقلب مع أحوالها المضطربة , سواء في نشأته , و ترحاله , و وفاة أبيه , و بعدها تكفله بإعالة أسرته , و من ثم مرضه المزمن الذي جعل منه نبعا لأفكاره و ملهما لشعره ؛ فيحكى أنه يوما انتابته الضائقة الصدرية من ذات القلب و استمرت ساعتين يقلّب فيهما وجهه و لا ينبس إلا بقطراتٍ من العرق ..! و لما هجعت النوبة , بدأ يسوي ثيابه و رقبة قميصه .. ثم تكلم منشرحاً صوته انشراح من حط وزره و نزع الحمل الجهيد , و بادر من حوله للاستجابة حين قال : أعطني ورقاً , و القلم من جيب فرملتي ( فأعطوه ما طلب ) فأخذ يكتب حالاً , .. قصيدةَ :
يا إله الوجود , هذي جراحٌ === في فؤادي تشكو إليك الدواهي .
و من هنا نرى أن الشابي قد تمكن من تسخير ( مرضه ) و آلامه الحسية الجسدية في شعره , و لا شك أن لهذا الداء أثراً في خلق تصور جديد للحياة جعل منها أقل قيمة , و أدنى أهمية , و سراباً يخدع الناس و يجلب لمؤمليها البؤس , و بذلك يقف أمام هذه الحياة موقف الخصم للخصم ,فهو يدعي منازلتها ,والوقوف ضدها في تحدٍ و إصرار ,!
ومما يزيد ذلك اضطراب حياته الاجتماعية و زواجه من امرأة -لا يميل إليها – و ذلك بعد إلحاح شديد من والده , مع أن زين الدين العابدين السنوسي يرى أنه كان زواجاً سعيداً موفقاً , و أن زوجته كانت تبذل له كل ما وهبها الله , و تشفق عليه , فإن آخرين يرون أنه كان زواجاً فاشلاً , و ذلك بعد النظر إلى سلوكه العاطفي في شعره , مما يدل على أنه كان غيرَ سعيدٍ , و يميلون إلى أنه كان يحب فتاة أخرى , عشقها منذ الطفولة , لكنها ماتت باكرا , مما أثر في نفسه أثراً أليماً تردد في أشعار الفترة الأولى من حياته .
كما أنه فجع بوفاة أبيه , بعد مرض ألمَّ به , مما عرضه للوهن الشديد في صحته ,و حمَّله مسؤوليات كثيرة , و قد تناثر أثر هذا الوقع في شعر أبي القاسم , في قصيدة ( ياموت) التي رثى بها والده :
يا موتُ قد مزقت صدري === و قصمت بالأرزاء ظهري
و فجعتني في من أحب === و من إليه أبثُّ سري
و رزأتني في عمدتي === و مشورتي في كل أمري
و لما يزلْ ينوء بهذه المسؤلية المستجدة التي حزت فؤاده , و ألقت على كاهله المزيد من التكاليف , فهو إنسان حساس جداً , لا يعذر نفسه في التقصير , وهذا بادٍ في تحميل نفسه ما لاتطيق من المسؤوليات التي تبدأ من عائلته و لاتنتهي و حسب عند مجتمعه و أمته .!
و نراه في قصيدته (قيود الأحلام ) يقول :
لكنني لا أستطيع فإن لي === أمًا يصد حنانُها أوهامي
و صغار إخوان يرون سلامهم === في الكائنات معلقا بسلامي
فقدوا الأب الحاني فكنت لضعفهم === كهفاً يصد غوائل الأيامِ
لكن الشاعر استطاع تجاوز تلك المرحلة حيث تحسنت حالته المادية و شيء من صحته كما أشار في بعض قصائده بعد ذلك ..

الأسباب الخارجية :
من أهم منابع شعر الشابي هو ( ضعف الأمة ) , الموضوع الذي أشغله كثيرا و أتعبه و انعكس على حالته الصحية التي تزداد سوءاً كلما استجد حادثٌ خارجي , خير مثال على هذا قصيدته : ( إرادة الحياة ) :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة === فلابد أن يستجيب القدرْ
و لا بد لليل أن ينجلي === و لا بد للقيد أن ينكسرْ
هذه القصيدة صرخةٌ في سماء الأمة , و تنبيهٌ لها و دعوة إلى الثورة , و هي من أشهر القصائد في العصر الحديث , مليئةٌ بالغصص و الآلام التي تعتصر فؤادَ هذا الشاعر ,
و من قصائده التي يستصرخ فيها أمته , ( إلى الطاغية ) :
يقولون "صوت المستذلين خافت === و سمع طغاة الأرض ( أطرش ) أصخمُ
و في صيحة الشعب المسخَّرِ زعزعٌ === تخرُّ لها شم العروش , و تهدمُ
لكل الويل يا صرح المظالم من غدٍ === إذا نهض المستضعفون و صمموا
فهي تضج بالحسرة , و يغمرها إيقاع شديد , تتفجر من أعماقه لتعلو في جو السماء و يسمعها الشعب الذي من بينه حاقدون و معادون ألداء لهذا الشاعر .!
فالعداوات الشخصية و الحسد الذي يواجهه أبو القاسم يعد عاملاً مهما في مسيرته الشعرية , و نسج أهم قصائده ,,: ( نشيد الجبار – أو هكذا غنى بروميثيوس ) :
سأعيش رغم الداء و الأعداء === كالنسر فوق القمة الشماءِ
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئاُ === بالسحب و الأمطار و الأنواءِ
و أقول للجمع الذين تجشموا == هدمي و ودوا لو يخر بنائي
و غدوا يشبون اللهيب بكل ما === وجدوا , ليشووا فوقه أشلائي
و مضوا يمدون الخوان ليأكلوا === لحمي , و يرتشفوا عليه دمائي
الأبيات قوية و صارخة , و تشبيهاته تعبر عن قلقه الشديد من هذه العداوات العنيفة التي حدت بهم إلى أن يتمنوا أكل لحمه بعد شوائه و من ثم ارتشاف دمه , تصوير مقزز شديد الوحشية , و لا شك أن هذا قمة في العداوة التي نشبت بينه و بين آخرين .!
كما أن المجتمع و تقاليده يعد عدوة كبرة في وجه الرومانسيين , و هم أولئك الذين يقفون موقفا حازما ضد تلك التركيبة الاجتماعية بما فيها من تراتبية و طبقية . مما يضطر إلى الصدام أو الانكفاء على الذات .

الكآبة في المذهب الرومانسي :
الرومانسية في نشأتها كانت حركة تشاؤمية , تزدحم بذكر مظاهر الشؤم و العقم في الوجود,و تركن إلى الهرب من الواقع إلى عالم الأحلام و الخيال و الذكريات و الطفولة كما يزخر شعر الشابي بقاموس متكامل عن الكآبة , ولديه الكثير من المفردات الرومانتيكية الشائعة التي تستخدم في سياق الكآبة و الحزن , و قلَّما نجد قصيدة لا تمر فيها تلك المفردات , مما يدل على أن الشابي شاعر ملتزم بمبادئ الرومانسية و متبع لأثارها بشكل دقيق :
فلو ابتدأنا بالألوان لرأينا ( السواد ) يطغى كثيرا , و يتردد في القصائد بشكل كبير :
ما لآفاقك يا قلبي سودا حالكات
و كذلك الظلام , الجحيم , الاكتئاب , الألم , الهموم , الكره , النواح , والحزن و المرارة , و البؤس , و الأحلام , و العذاب , و فتى الهول و جبار الهموم , الغموض , التيه , الحيرة , و الظلمة , الحطام , الدموع ...
حتى إننا نرى قصيدته :أغنية الأحزان , خير مثال على المعجم الرومانسي الذي يملأ ديوان أبي القاسم :
غنني أنشودة الفجر الضحوك أيها الصداح
فلقد جرعني صوت الظلام
ألماً علمني كره الحياة
إن قلبي ملَّ أصداء النواح
غنني يا صاح
حطمت كفُّ الأسى قيثارتي في يد الأحلام
فقضت صمتا أناشيد الغرام
بين أزهار الخريف الذاويه
و تلاشت في سكون الإكتئاب كصدى الغريِّد
هذا عدا : الليل و ما يعنيه من بُعْدٍ رومانسي جليل , و ما يحمله من روحانية و خشوع , خاصة أنّ لهذا الزمن إيحاءً رومانتيكياً يذهب إلى أن الليل وقت الهدوء و السكينة , تخف فيه الحركة و تسكت الجلبة الخارجية , فتتكشف للشاعر الحقيقةُ المكتومة التي يبحث عنها .. و من الملاحظ تلك الكلمات كثيرة التردد في أشعاره : القيثارة و الأحلام , و الفجر , و ما إليها ,, و هي من صلب التوجه الرومانتيكي .


تأثير الكآبة و أنواعها عند أبي القاسم الشابي :
هذا الجزء من المبحث من الأهمية بمكان إذاما نظرنا إلى تأثير الكآبة في الإنسان , فهي تقض مضجعه و تنسف أحلامه , و توقف من يصاب بها عن الحياة و ممارستها إلى حين , و هذا نراه في جزءٍ كبير من ديوان الشابي معبراً عن التجربة المرة التي مرَّ بها الشاعر :
1- الكآبة المنغلقة – السلبية - :
و هي تلك التي اتصف بها في كثير من قصائده , حيث اصطدم بواقعه و تأثر لمرضه , فكان يرجو الموت و يبحث عنه , و يغرق في أحلامه , بعيداً عن الثورة , و هي الجانب الذي أغفله في مرحلته هذه .
يقول أبو القاسم :
بئست الأفراح , أفراح الحياه إنها أحلام
تخلب اللب بألحان عذاب
و أغاريد , كأملاك السما
ثم لا تلبث أن تذوي كما تذبل الأزهار
هنا نلحظ الألم الشديد من الحياة , و ليس أي حياة و إنما أجمل ما فيها و هو الفرح , لكنه لا يطمئن إليه , و لا ينظر بعين راضية نحوه , بل إنه يرى الحياة بكل مفاتنها أحلاماً و سراباً , سريعة الانقلاب و التبدل .
و نرى في قصيدة ( النبي المجهول ) الالتجاء إلى الطبيعة و الغاب , الحلَّ المفضلّ الذي يجد فيه سلوته بعد الصراعات التي عايشها :
أيها الشعب ليتني كنت حطاباً === فأهوي على الجذوع بفأسي
تحولات نفسية ابتدأت بالصراخ بالثورة ضد الظلم في خطاب حادٍ و ساخرٍ لشعبه :
ليت لي قوة العواصف يا شعبي === فألقي إليك ثورة نفسي
أنت روح غبية تكره النور === و تقضي الدهور في ليل ملسِ
أنت لا تدرك الحقائق إن طافت === حواليك دون مس و جبسِ
ثم نراه بعدما أخفق في استثارة قومه ينزوي إلى الغابة و راح يتهدد بالعزلة و الابتعاد :
إنني ذاهب إلى الغاب يا شعبي === لأقضي الحياة وحدي بيأسِ
إنني ذاهب إلى الغاب , علِّي === في صميم الغابات أدفن بؤسي
لكنه يحيا الحياة التي أرادها :
........ ثم سار إلى الغاب === ليحيا حياة شعر و قدسِ
و بعيدا .. هناك .. في معبد الغاب === الذي لا يظله أي بؤسِ
.......
يالها من معيشة في صميم الغاب === تضحي بين الطيور و تمسي
يالها من معيشة , هي في الكون === حياة غريبة ذات قدسِ
و ربما ازدادت نبرة الأسى عنده و عاش في صراع نفسي أليم , حتى إننا نراه يتحدى الجميع , و يحكم مشحونا بالثقة الغامرة ؛ أن الدنيا بكل ما فيها لا تستحق أن يهتم بها الإنسان , و أنه لو تولى شيئا من شؤونها لما أبه بها , و لألقى بها في غياهب الموت :
لو كَانَتِ الأَيّامُ في قبضتي === أذريتها للريح، مثل الرمالْ
وقلتُ: «يا ريحُ، بها فاذهبي === وبدِّديها في سَحيقِ الجبالْ
"بل في فجاج الموت.. في عالَمٍ === لا يرقُصُ النُّورُ بِهِ والظِّلالْ..
لو كان هذا الكونُ في قبضتي === ألقيْتُه في النّار، نارِ الجحيمْ
النَّارُ أوْلى بعبيدِ الأسى === ومسرحِ الموتِ، وعشِّ الهمومْ
يقول الأستاذ إيليا الحاوي : " هنا تجتاح الشاعر شهوة الانقراض و العدم , و تلتمع له الصورة النائية المبدعة في فجاج الموت و الكنايات .. " , إن مبدأ ( العدم ) الذي ألمح إليه الأستاذ يشي بأن أبا القاسم الشابي قد مرت عليه مرحلة من الضغط النفسي و القلق الشديد , الذي جعله لا يقيم للدنيا قيمة , فعالج ذلك بالطريقة الرومانسية المكتئبة , التي تركن إلى خوض غمار العدمية كمنطلق فكري يرى أن العدم هو القدر الأكيد الذي ينتج عن تلك الصراعات الرهيبة في هذه الحياة .


2- الكآبة الإيجابية :
تكونت في مرحلة تالية , إذ انطلق في استغلال تلك الكآبة التي جعلته يمعن النظر في الحياة و يطيل التأمل في أحوالها , لم يستطع أن يتوقف عند حد , و لم تعد الغابة ملجأً يطمئن إليه دائماً , ففي قصيدته : ( الصيحة )
يا قومُ عيني شامت === للجهل في الجو نارا
يا قوم مالي أراكم === قطنتم الجهل دارا
أضعتمُ مجد قوم === شادوا الحياة فخارا
حاكوا لكم ثوب عزٍ === خلعتموه احتقارا
ثم ارتديتم ... === لبوس خزي و عارا
يا ليت قومي أصاخوا === لما أقول جهارا
يا شعر أسمعت لكن === قومي أراهم سكارى
فلا تبال إذا ما === أعطوا ندارك ازورارا
و اصبر على ما تلاقي === و اصدع وُقيت العثارا
نتبين عقيدته الشعرية التي يلتزم بها في خطابه للشعر بعد خطبته لقومه التي حذر فيها من الجهل , و نصح جاهدا أولئك الناس بالمحافظة على المجد الذي أُورثوموه , و مع ابتعادهم عنه و ازورارهم , إلا أن شعره سيبقى مخلصاً لهم , و مستمراً في نصحهم .. !
و نرى للشاعر قصيدته التي بها يستصرخ أمته , و يحث على المواجهة و المقاومة رغم كل المصائب و الرزايا .. :
تسائلني" ما لي سكت و لم أهب === بقومي و ديجور المصائب مظلم ُ"
" وسيل الرزايا جارف,متدفع === غضوب و وجه الدهر أربد أقتمُ؟"
سكت و قد كانت قناتي غضة === تصيخ إلى همس النسيم و تحلمُ
و قلت و قد أصغت إلى الريح مرة === فجاش بها إعصاره المتهزمُ
و قلت و قد جاش القريض بخاطري === كما جاش صخّاب الأواذيّ أسحمُ
"أرى المجد معصوب الجبين مجدّلا === على حَسَكِ الآلام يغمره الدمُ "
سيثأر للعز المحطم تاجه === رجال إذا جاش الردى فهمُ همُ

نماذج لقصائد الكآبة و الحزن و تحليلها :
نشيد الأسى :
في قصيدة نشيد الأسى نرى أن عنوانها يكشف عن طبيعتها التي أرادها هذا الشاعر؛ فجعل للأسى نشيداً , و إن شئنا فلنقل جعل للأسى صوتا مرويا مسموعا, و النشيد في كلام العرب هو رفع الصوت, و ربما التغني أيضا , أراد أن يتصالح مع الدنيا , و يعطي عهداً بالسلام و الوئام , ربما كان هروباً من حزنه , و استسلاماً لهزيمته , لكنه يتساءل بكل أسى , عن ليل نفسه , متى ينفلق الصباح عنه لأنه يحس بعواصف تترى تهب عليه ,و سمَّاها بالظلام , أراد أن يغني أغنية الحياة , نراه يكثر من الاستثناءات العجيبة , و الاستدراكات ليشدد على سوء حظه في هذه الدنيا و تكالب الأقدار عليه !
فيقول :
ما للرياح تهب في الدنيا و يدركها اللغوب
إلا رياحي , فهي جامحة تمردها عصيب
تساءل بكل حرقة , عن ذلك التمايز العجيب في هذه الرياح , التي قدَرُهَا عند الآخرين -مهما بلغت صولتها- أن تتعب , فتقف و لو قليلا , أما الرياح التي هبت علي , فلها قدرة خارقة , تمتاز بالجموح و التمرد العصيب ,لا يمسها تعب أو لغوب. !
ثم راح يتساءل بكل مرارة أيضاً عن سبب تعاسته في هذه الدنيا , كان ينكر استحقاقه لهذا السيم المتواصل , يرى أن قلبه نقي أنقى من الموج الوضيء , و ألطف من أغاريد الطيور, و انتهى إلى أنه تجنب الأثم الأكبر؛ الذي هو إثم الحياة , فمالنفسه النقية ينالها عذابٌ أليم ..!؟
بعد تلك المقدمة التي عبَّر فيها عن موقف القدر منه , و عن الحياة و ما تحيكه ضده , انطلق إلى عالمه الآخر ,هارباً حالماً , حاملاً همومه ليطفئها ,و أحزانه ليبدلها بشيء آخر, فأضحى ينادي الغابة , لكنه نداء يحمل أسئلةً يحاول أن يقارن من خلالها بينه و بين الغابة ,! و كيف استطاعت تلك الغابة أن تصمد في وجه الخطوب , و أن تجابه الأخطار! حتى باتت ملجأ لكل حزين , و موئلا لكل مكتئب باكٍ .
أعاد بعد ذلك نداءه للشفق , و هو يعني به الصباح , و ربما قصد به التغيير في الحياة . أراد أن يبدأ مرحلة الجديدة في علاقات الكون .. فينادي بأعلى صوته :
يا كوكبَ الشفق الضحوك و أنت مبتهل الكئيب
لح في السماء , و غن أبناء الشقاوة و الخطوب
أنشودة تهب العزاء لكل مبتئس غريب
فالطير قد أغفت و أسكت صوتها الليل الهيوب
و ابسط جناجك في الوجود فإنه عذب خلوب
و انشر ضياءك ساطعا لينير أعماق القلوب
فعلى جوانبها من الأحزان ديجور رهيب
هكذا أراد من ندائه , تمنى رؤية التغير الذي عبر عنه بـ(كوكب الشفق ) أو بـ( الصباح) ,فإنه يفرق الظلمة و يطرد الدياجير المدلهمة , هو لا يقصد الصباح بذاته و لا الظلام لذاته , لكنها صور الطبيعة التي تزخر بها قريحته , يقصد البحث عن الأمل و التجدد , و أمنية الخلاص من الواقع الكئيب .. !
انطلق حالماً ,, متفكراً في الطبيعة و عالمها البديع الجميل ؛ ليبرد كبده بمائها القراح , و بعد ذلك الأمل , و تلك النداءات , عاد من جديد ليعقد مقارنة بينه و بين الطبيعة , كيف أنها تعود جميلة أنيقة نقية , و هو يبتلى بالنقص و الحزن و التعاسة !؟ .
و يختتم قصيدته بأنه لن يداخله سرور , حتى و إن تضاحكت الحياة بأسرها , ترى ما السبب في ذلك .. ؟ يجيب عنه .:
أصغي لأوجاع الكآبة و الكآبة لا تجيب
في مهجتي تتأوه البلوى و يعتلج النحيب
و يضج جبار الأسى و تجيش أمواج الكروب
إني أنا الروح الذي سيظل في الدنيا غريب
و يعيش مضطلعا بأحزان الشبيبة و المشيب
قد اتضح لنا الآن سبب مهم في حزنه , و هو تلك الروح الكبيرة التي يحملها , تلك النفس الأبية المسؤولة التي تجعله ينظر دوماً إلى مواطن الأحزان , يتمنى لو انقلبت الشرور خيراً , و الحزن فرحاً , لكنه إذ يرعي سمعه للكآبة , فهو الكئيب ,! و مما يزيد ذلك كآبة أنه يتمنى لو بادلته الكآبة اهتمامه , فتصيخ له , لكنها لا تصيخ .. !
ثم إن أبا القاسم .. يظهر بمظهر الرجل الكبير , الذي يُعنى بأحزان مجتمعه , فهو يضطلع بأحزان الشبيبة و المشيب , و هنا مفارقة واقعية ,لأن أبا القاسم شاب في مقتبل عمره , لكنه في دواخل نفسه يرى أنه رجل حقيق بفداء العالم و حمل همومه و ربما رأى أنه مسؤول عن كثير مما يحل به .. !
قصيدة : ( نشيد الجبار , أو هكذا غنى بْرُمِيثْيوس .. )
سأعيش رغم الداء و الأعداء === كالنسر فوق القمة الشماءِ
مع أنه كان في هذه القصيدة يصراع من أجل الحياة , إلا أنها تضجُّ بكثير من الأسى و تضطرم فيها الصراعات الحقيقية و الوهمية , تنوعٌ في المفردات , و تبادلٌ في المعاني و تجاذب للطبيعة , و استعارة لكثير من معانيها و غوص في أسرارها .!
لديه الكثير من الأعداء , و ربما كان أول أعدائه هي الدنيا , و سيحيا برغم المرض الذي يوهنه و يضع من قوته .. !
استعار لنفسه اسم الجبار , و في هذا دليل إصرار عجيب على الغلبة و الوقوف ضد طوفان الحياة الهائج .. !
و نرى أن أبا القاسم قد استعار شخصية ( بروميثيوس ) و هو إله في الأساطير اليونانية القديمة , دافع عن الإنسان , فعاقبته الآلهة الأخرى عقاباً شديداً , لكنه كان صلباً لم يتزحزح , و ظلَّ متحدياً برغم كل ما يواجهه ..!
و قد اختار أبو القاسم هذه الشخصية اليونانية القديمة ؛ لأنها ترمز إلى الصمود و التحدي و الثورة .. بالرغم من الألم الذي ينوء به , و كأنه يشير إلى حاله الشخصية التي ترزح تحت نير الاتهامات الكثيرة , و العداء الحاقد , و زيادة إلى ذلك , مرضه الذي يهد كيانه , يرى نفسه وحيدا يقف أمام تلك الأمواج العاتية من الناس , و ذلك المد الهائل من القدر الأليم , كان ( بروميثيوس ) وحيداً مقيداً متألماً , و كذلك كان أبو القاسم .. .
إلا أن الأستاذة -ريتا عوض- تشير إلى أن شخصية (بروميثيوس) قد توقف ذكرها على العنوان للقصيدة , فلم يأت لها بيان في القصيدة كما أن إيرادها ضمن شعر عربي ضمن إطار الثقافة العربية يجعل منها فكرة قاصرة , غير مفهومة لكثير من القراء العرب .. لأنها ذات بعد رومانسي أوربي يوناني .. .

و يرى هشام الريفي أن هذه القصيدة تحمل قرائن عديدة تحيل على مرجعية غير عربية , و أن أبا القاسم الشابي كشاعر و مغنٍ , بات شخصية غريبة عن التراث العربي , عريقة في السنّة الأدبية الغربية , و هذا تقليد رومانسي احترمه أبو القاسم برغم جهله بلغة غير اللغة العربية !
و تشكل هذه القصيدة مرحلةً جديدة في نظرة أبي القاسم الشابي إلى الحياة , إذ كان في سابق عهده يرى بؤسها و شدة بأسها , و أنها مظنة الفجيعة و محل النقيصة و موطن البلاء , فكان يرجو الموت و يأمله , لكنه هنا .. قد خلع ذاته العتيقة و لبس الإنسان الجديد , ابن الحياة الجديد , و اعتنق إرادة القوة التي بلغت مداها – كما يقول جان طنوس - في قصيدته الرائعة ( أنشودة الجبار ) ..
و يصفه بأنه " كان سجين الموت الروحي ,و العبودية العمياء , فأصبح الآن حرا يذوب في روح الكون الخلَّاقة , " .
إن التحدي الذي يدفع به الشابي أمام القدر , يعطيه قيمة أعلى , و يملأ نفسه سعادة غريبة ترفعها فوق صغائر الدنيا , كالنسر الذي يتعالى على الحشرات التي تدب على الأرض , فلم يعد القدر الآن حتمية قوية لا بد أن يخضع لها , لكنه يعتقد أنها نقطة انطلاق لإرادة القوة التي تبدل الظروف كما تشاء ..
إن القصيدة لا تزال في طور الكآبة , لكنها كآبة إيجابية , تتحول إلى أداة فاعلة , إلى محرك دافع للقوة محفز للعمل و التفاعل مع تلك الحياة , لم يعد ذلك الإنسان المنزوي المنغلق على ذاته , المحلق في خيالاته في أوساط الغابة , بل انبرى أمام مد الحياة , ليدفع به , لكنني أؤكد أنه لو انتصر لعاد إلى غابته , لأنه أحب الحياة الأولى , و لم تحركه تجاه المواجهة هذه سوى حياة الغاب بكل ما فيها من هدوء و سكينة ,,
أما إذا خمدت حياتي و انقضى === عمري و أخرست المنية نائي
فأنا السعيد بأنني متحول === عن عالم الآثام و البغضاءِ
لأذوب في فجر الجمال السرمدي == و أرتوي من منهل الأضواءِ .

و هو الآن يدعو إلى مواجهة القدر , بكل ثبات و صمود , و سوف يقف أمامه شامخاً , و يرى أنه و إن هُزم في هذا الصراع , سيعد نفسه منتصراً , و أنه سينتهي إلى الحياة التي يريدها حقيقة .. لذا فهو قد أعاد التفكير في طريقة تعامله مع الحياة و القدر, فوجد أن غايته التي تتنتهي في الجمال السرمدي و الخلود الأبدي في أكناف الخيال البديع , له طرق عديدة , لكن أولاها و أعظمها هو جهاد الحياة و القدر , فمتى انتهى فسوف يُبّشَّرُ بحياة أخرى أجمل و أروع ! .
و قد اختتم قصيدته , بإعلان التحدي مرة أخرى .. و وجه حديثه لأولئك الذين أرادوا هدمه و تمنوا انتهاءه ؛ بأنه لن يمضي إلا منتصراً عليهم , متغلباً على مكائدهم .. و شبَّههم بالأطفال, و جعل نفسه أرفع منزلة حيث يطال السماء , و هم تحتها يحيكون مؤامراتهم . !
و قد قدم لنا صوراً بديعة, حين يقول :
فارموا على ظلي الحجارة و اختفوا === خوف الرياح الهوج و الأنواءِ
فإنهم في نظره لن يبلغوا إن استطاعوا أكثر من ظله , ليمكروا فيه و يعتدوا عليه , و يوصيهم بالهرب السريع , لئلا يصابوا بشيء من الرياح أو الأنواء .. و فيحذيره هذا معان كثيرة , فإما أنه يحذرهم لخوفهم الشديد منها في حياتهم الواقعية , فهو يعرِّضُ بهذا الأمر في إيمانهم بالشعوذة و الأساطير , أو أنه يضع نفسه كالريح الهوجاء التي تضربهم فعليهم الخوف منها , و المعنى الثالث الذي لاح لي , أنه يخوفهم من شيء طالما وقف تجاهه من الرياح الهوج و الأنواء التي هي كناية عن الدنيا , و ما تبعثه من مصائب ومكائد , فهم ليسوا بشيء بالنسبة إليه , و لن يستطيعوا مجابهة شيء استطاع مواجهته ,و الوقوف في وجهه .. فهو في هذه المرحلة قد بلغ شأوا عظيما ,و وقف موقفا خطيرا في اتجاه الريح التي طالما خشيها و ابتأس لوجودها .!
و يذيِّل قصيدته , ببيت يعطينا دلالة على تغيُّر نهجه و ظهور نظرة حادثة في حياته :
من جاش بالوحي المقدس قلبه === لم يحتفل بحجارة الفلتاء
فماذا يكون ذلك الوحي المقدس .. ؟ يقول الأستاذ -جون طنوس- : "أنه ذلك الاكتشاف لمنابع القوة التي أنقذته من جاذبية الصغائر و رفعته إلى سماء القدرة و الجبروت , حيث جاذبية الخلق و التحدي " .. .
إن تحديه للقدر ,, لم يكن في صالحه .. لأنه كان خاسراً مسبقاً .. فمن ذا الذي يقف أمام القوة الجبارة التي تكتسح الأرض .. !
و يقول الدكتور محمد مندور معلقاً على هذه القصيدة ,و معقباً على ذلك الصوت الصدّاح الذي أطلقه أبو القاسم : "إن روح أبي القاسم كانت ترهص بكل ذكاء بالأيام المجيدة التي يحياها شعب تونس , إذ يجاهد الطغيان دون أن يعرف الضعف أو الاستكانة "..




قصيدة ( النبي المجهول )
كانت كآبته و أحزانه تزيده في أواخر عمره قوة و إصراراً على مواجهة الحياة , و على كسر ذلك الحاجز المهيب , و بما أنه رجل مسؤول يحمل همَّ أمته , و يتأثر بحساسية بالغة بالسيطرة الأجنبية التي تقهره و تقهر شعبه ؛ فقد نذر نفسه داعية عزٍ و منادي صحوة , بحث عن موضع القوة في بلاده , فوجد أن الشعب بذاته هو القوة التي لن يقف أمامها شيء .. فأضحى مهيجاً للمشاعر , لكنه يصطدم بتلك القوة المحتملة , تقف مكتوفة الأيدي , فيصاب بخيبة أمل كبيرة , ! و يتحول عن حاله تلك ليهرب إلى الغاب و ينزوي في أحضانها, كانت تلك قصيدته التي سماها بـ ( النبي المجهول ) ..!
و قد استعار الشابي شخصية ( النبي ) ليتسمى بذلك .. و في هذه الاستعارة خروج كبير على الطريقة العربية , التي تفصل كثيراً بين مقام النبوة و تجعل منه قداسة كبيرة و بين الشاعر أو حتى المصلح , فثمة درجات لا يجوز الخلط بينها..! و لكن هذا الاستخدام قد أتى مستجيباً للنزعة الرومانطيقية التي ينزع إليها أبو القاسم الشابي .,..
كما أن استعارة ( النبي ) .. ذات دلالات ذكية , أهمها أن النبي في ناموس الكون لم يأت إلا و هو صالح في ذاته , و صاحب رسالة سامية لا شك في نتائجها , كما أنه يملك الحلول السائغة الناجعة .. إلا أنه يلاقي الرفض و الطرد .. !
أيها الشعب ,, ! ليتني كنت حطابا === فأهوي على الجذوع بفأسي
في مطلع قصيدته : آثر استجلاب صور الغابة , و أعمالها و مظاهرها , و الأخذ من مظاهر الطبيعة كالسيول و الرياح و الشتاء و العواصف و الأعاصير .. ليوظفها في قصيدته , و ربما كانت البداية بهذه الاستعارات منطلقة من غايته التي ضمنها القصيدة , فهو يريد أن يستثير المشاعر , لكنه يعلم مسبقا فشل ذلك , و ربما كان يعلم أن الشعب لن يصغي إليه و لن يسمع , لكنه يكثف تلك الصور , تبعا لجبلَّته التي تجنح إلى الطبيعة و تأوي إليها , و مما يدل على ذلك أنه ما إن انتهى من تلك المقدمة حتى سخر من الشعب , و راح يغلو في تصويره بالتخاذل و الضعف و الغباء .. :
ليت لي قوة الأعاصير ..! لكن === أنت حي , يقضي الحياة برمسِ
أنت لا تدرك الحقائق إن طافت ==== حواليك دون مسٍ و جبسِ
و قد أمعن في السخرية و الشتم لهذا الشعب , و هذا في الحقيقة يخالف ادعاءه بأنه صاحب رسالة نورانية طاهرة لم تتوسخ بطين هذا العالم , خصوصا أن إقذاعه هذا يقابله احترام كبير لأصحابه الذين وافقوا رأيه و سلكوا سبيله ,! و يرى- الأستاذ جان طنوس- أن هذا التناقض في تعامله مع أتباعه و مع العامة و السوقة و الشعب .. هو مما يميز شخصيته و يلمح إلى شيء من طبيعتها العجيبة ...
و تحول بعدها , ليحكي جهوده التي بذلها في سبيل إيقاظ ذلك الشعب الهزيل الميت , لكنه كلما قدم حلا رفضوه , أو ارتأى رأيا أنكروه و سخروا منه .. !
فقد كان ينافح عن شعبه , و يطالبه بالتحرر , ليس من الاستعمار و حسب , بل من أغلال أخرى وصفتها الأستاذة - سعاد أبو شقرا- " بأنها أشد خطورة و آلم لنفس الشاعر , لأنها أغلال معنوية بعيدة الأثر في حياة الأمم , ألا و هي أغلال الجهل و الفقر و التقاليد البالية و المعتقدات الرجعية .. "
و من ثم قال :
ثم ألبستني من الحزن ثوبا === و بشوك الجبال توجت رأسي
هنا يعلل بكل صراحة سبب حزنه و عذابه , إنه من ذلك الشعب الذي لا يعي كثيرا , ذلك الذي ارتضى المهانة على العزة , و الخوف على الإقدام ..!
و لفرط حساسيته .. فقد قرر الرحيل إلى أكناف الغاب , فهو سيعيش مع الطبيعة ,لينسى ذلك البؤس , و ينسى ذلك الشعب المتخاذل , و سينتظر أجله ليقضيه هناك تحت شجرة الصنوبر , .. فهو يلجأ إليها ليستشعر السلام الروحي بعد المعاناة الشديدة البئيسة , نلحظ النغمة الجبرانية , التي تتغنى بالغاب , كما نرى شطره ( و بشوك الجبال توجت رأسي ) كصورة مستحدثة .. تتداخل و الصورة المسيحية التي تعنى كثيراً بتيجان الشوك لتدل على العذاب الشديد ..
و من هنا .. عاد ليصرخ في وجه شعبه , ليذكرهم بقوتهم لو علموا , عاد و نفسه مليئة بهموم كثيرة , لكنها مطبوعة على أمل عريض , فالشعب قوة عظيمة , افتقدت للسائس الحكيم .. -هنا لخص سبب ضعف الأمة- .. ليس في الشعب , و إنما في فقده للساسة العبقريين .. - و قد استمرت هذه الحقيقة حتى اليوم .. - ..
إلا أنه في خضم نصيحته , يجابه بمن يغضب منه , و يؤلب عليه و يتهمه بالسحر, و يصمه بالكفر ,و يطالب بإبعاده .. فما هو إلا روح شريرة نحسة .. !
فانتقل إلى الغاب , ليطمئن هناك .. ليهرب إلى شجر الصنوبر و الزيتون .. ليحيا مع الطير و الربيع .. و ليمكث زمنا يتساءل عن سر الحياة .. و هو مطمئن .. ليكتشف سرها و يعلم حقيقتها , و كأنه يشير إلى أن حقيقة الحياة كامنة في قلب الغاب الهادئ الوديع . !!
إلا أن هذه الخاتمة التي لجأ إليها الشاعر .. لا تتناسب و عمل النبي الذي يصبر طويلا لا يستسلم , بل يقف بكل صمود , كما أن هروبه إلى خارج محل دعوته يعد انهزاما , و ما ينبغي لنبي أن ينهزم .. ففي ذلك الهروب استسلام و انقطاع , مما يعزز فكرة جنونه أو شذوذ طريقته .. و قد وصفتها الأستاذة -ريتا عوض - بأنها : ( نبوة سلبية ) .. .
كما نلمس ظاهرة بيّنة في شعر هذا الرجل و هي توافق الأوزان و الموسيقى مع العواطف و الانفعالات , ينوع بينها بشكل منتظم متناسق , يثير المستمع و يجذب القارئ , فنرى النغمة الهامسة الحزينة في قصيدة ( الصباح الجديد ) , و الموسيقى الصاخبة المتمردة في ( النبي المجهول ) و ( إرادة الحياة ) و ( أنشودة الجبار ) .. و نغما وديعا و هامسا في ( صلوات في هيكل الحب ) .. . و في هذا التنوع قيمة فنية لا يمكن تجاهلها .. لأن الشاعر حين يكتب عن أحزانه و كآبته , ينقلنا –عنوة أو عفوا - إلى الجو الذي يعايشه لحظة بلحظة , صوراً , و أفكاراً , و هاجساً , بنغمة هامسة , أو ربما ثائرة تتناسب و اللحظة النفسية التي يكابدها , أو تلك التي يسعد في أحضانها .. ! .



الخاتمة :

أخيرًا : أتمنى أنْ أكونَ قدْ وُفِقتُ في تقديمِ شيءٍ يكشفُ جانبًا من شخصيةِ (شاعرِ الخضراء) أبي القاسمِ الشابيّ ,
و ينظرُ في تلكَ الكآبةِ المصاحبة له , والمتمثلة في شعره ؛نظراتٍ خاطفة واعية خاصة أن كثيرًا من النقادِ يذهبون إلى أن عبقريةَ أبي القاسم الشعريةَ لم تكن لولا تلك الكآبة المسيطرة.
فدراسةُ الكآبة كعنصرٍ أساسٍ في شاعريةِ ذلك الرجل أمرٌ جديرٌ بالنظرِ و البحثِ العميقِ , و ما قَدَّمْتُهُ من بحثٍ متواضعٍ , لا يكادُ يغطي شيئًا من مكانة الشابي؛ لكثرة منابعِ شعره , و غزارةِ إنتاجهِ , و عِظَمِ نفسهِ و تحملها الكثيرَ في سبيلِ أمتهِ و شعبهِ , و لا أعُدُّ هذا العمل إلا جُهْدَ المُقِلِّ , يعتريه الكثير من الأخطاء و الفجوات و النقص .

و اللهُ وليُّ التوفيقِ




المراجع :

1- أبو القاسم محمد كرّو :آثار الشابي و صداه في الشرق منشورات المكتب التجاري للطباعة و التوزيع و النشر – بيروت , الطبعة الأولى 1961 .
2- إعداد مجموعة من الأساتذة - هشام الريفي - :دراسات في الشعر – الشابي نموذجا –: – بيت الحكمة – قرطاج – 1988 .
3- إيليا الحاوي : الرومانسية في الشعر الغربي و العربي - دار الثقافة – لبنان – الطبعة الأولى : بيروت 1980 .
4- جان طنوس : أبو القاسم الشابي ملامح الموت و الحياة في شخصية الشابي و شعره - منشورات دار علاء الدين – الطبعة الأولى 2001 .
5- جرجس نسيم ناصيف : أبو القاسم الشابي في شعره - دار الفكر اللبناني بيروت الطبعة الأولى 1993 .
6- خليفة محمد التليسي : الشابي و جبران ,, دار الثقافة , بيروت لبنان .. الطبعة الثانية 1967 .
7- ديوان أبي القاسم الشابي و رسائله – تقديم و شرح: مجيد طراد – دار الكتاب العرب , بيروت - لبنان . 2004 .
8- ريتا عوض : أبو القاسم الشابي المؤسسة العربية للدراسات و النشر , الطبعة الأولى 1983 .




الفهرس :
• المقدمة .................................................. .......... 1
• مفهوم الكآبة .................................................. .... 2
• تجلياتها في شعره ................................................ 3
• أسباب الكآبة عند الشابي : الذاتية ............................... 4
• أسباب الكآبة الخارجية ........................................... 5
• الكآبة في المذهب الرومانسي .................................... 6
• تأثير الكآبة , وأنواعها ........................................... 8
• نماذج من القصائد: قصيدة نشيد الأسى ....................... 11
• قصيدة :نشيد الجبار ............................................. 13
• قصيدة :النبي المجهول .......................................... 16
• الخاتمة .................................................. ......... 19
• المراجع .................................................. ........ 20
• الفهرس .................................................. ........ 21









الرابط المختصر للموضوع :
يَتّْيَمًة آلآمًآرٍآتّْ متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم , 02:06 AM   #2
دبلوماسي
¬°•|الأعضاء|•°¬
الصورة الرمزية دبلوماسي

تاريخ التسجيل: 02-2010
United Arab Emirates
المشاركات: 4,671
دبلوماسي is on a distinguished road
افتراضي رد: بحث أدبي عن أبو القاسم الشابي

تسـلمـين عالـطرح ان شاءلله يستفيدون

يعطـيج العـافيه

تقبـلي مروري
دبلوماسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم , 06:25 PM   #3
عيون ذباحه
¬°•|الإدارةالنائبة|•°¬
الصورة الرمزية عيون ذباحه

تاريخ التسجيل: 02-2010
United Arab Emirates
الإقامة : محد كفؤ يحاسبني على النقص والزود محد شرالي فرحتي من حلاله
المشاركات: 26,875
عيون ذباحه will become famous soon enough
افتراضي رد: بحث أدبي عن أبو القاسم الشابي

نااااااااايس

يسلموو ع الطرح

يعطيج العافيه

ربي لاهانج
عيون ذباحه متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم , 12:20 AM   #4
وصلاويه ترتوب
عذبوبكــ يا قلبي
الصورة الرمزية وصلاويه ترتوب

تاريخ التسجيل: 02-2010
United Arab Emirates
الإقامة : قلب ماماتي
المشاركات: 33,917
وصلاويه ترتوب will become famous soon enough
افتراضي رد: بحث أدبي عن أبو القاسم الشابي

يسلمووو على طرح خيتؤؤؤ

يعطيج العافيه
وصلاويه ترتوب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم , 05:35 PM   #5
شرجاوية و أفتخر
¬°•|الأعضاء|•°¬
الصورة الرمزية شرجاوية و أفتخر

تاريخ التسجيل: 02-2010
United Arab Emirates
الإقامة : ∂Їμ мλ Oωμ όωѓl =
المشاركات: 829
شرجاوية و أفتخر is on a distinguished road
افتراضي رد: بحث أدبي عن أبو القاسم الشابي

تســلميين الغــآلية ع الطــــرح ..

ربـــي لا يحرمــني من يديدج ..
شرجاوية و أفتخر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وش رايك ما أحضر زواج أختي..؟؟ صع ــب تكراريّ يتيم الامارات القصص والروايات 10 04-04-2011 02:18 AM

الموقع مراقب من قبل شرطة دبي ألكترونية

الساعة الآن 02:27 AM.